الإصلاح أم تحميل الأعباء؟.. متى يتوقف المواطن البسيط عن دفع الفاتورة؟
كتب .. حماده مبارك
لم يعد المواطن البسيط يترقب قرارات الحكومة باعتبارها خطوات نحو الإصلاح، بل أصبح يستقبل كثيراً منها بسؤال يفرض نفسه بقوة هل أصبحت جيوب محدودي الدخل هي الطريق الأسهل لسد عجز الموازنة ومواجهة الأزمات الاقتصادية؟
فمع كل زيادة جديدة في أسعار الوقود أو الكهرباء أو الخدمات، لا تتوقف آثار القرار عند حدوده المباشرة، بل تمتد سريعاً إلى المواصلات وأسعار السلع والغذاء والإيجارات، لتتحول الزيادة الواحدة إلى موجة غلاء تلتهم ما تبقى من دخول المواطنين.
والسؤال هنا ليس ، هل تحتاج الدولة إلى إصلاح اقتصادي؟
فالجميع يدرك حجم التحديات، ويعلم أن الأزمات العالمية والضغوط الاقتصادية لم تكن سهلة ، لكن السؤال الأهم كيف توزع فاتورة الإصلاح؟
ومن يتحمل النصيب الأكبر منها؟
المواطن محدود الدخل لا يملك شركات يرفع أسعار خدماتها، ولا يمتلك القدرة على تعويض خسائره، ولا يستطيع زيادة راتبه كلما ارتفعت الأسعار، الموظف وصاحب المعاش والعامل البسيط وأصحاب الدخول الثابتة يقفون في مواجهة الغلاء بقدرات محدودة، بينما تتراجع القوة الشرائية يوماً بعد يوم.
لقد تحمل المواطن كثيراً، وصبر أكثر، وساند الدولة في ظروف صعبة، لكنه من حقه أن يسأل ، إلى متى يظل المواطن هو الحلقة الأضعف التي تتحمل نتائج كل أزمة؟
وإلى متى تكون زيادة الأسعار هي الحل الأسرع، بينما لا يرى المواطن بالقدر نفسه إجراءات حاسمة لخفض الإنفاق غير الضروري، ومواجهة الهدر، واسترداد الأموال العامة، ومحاسبة المقصرين؟
لا أحد يرفض الإصلاح، لكن الإصلاح لا ينبغي أن يعني أن يدفع الفقير أكثر، بينما تظل بعض الملفات المؤجلة خارج دائرة الحسم ، ولا يجوز أن يتحول ترشيد الدعم إلى عبء متزايد على من يحتاجون إلى الحماية، في الوقت الذي ينتظر فيه المواطن عدالة حقيقية في توزيع التكاليف والأعباء.
إن الحكومة مطالبة اليوم بأن تقدم للمواطن إجابات واضحة، أين تذهب حصيلة الزيادات؟
وما الذي عاد على الناس من تحسين في الخدمات؟
ومتى يشعر المواطن بأن ما تحمله من أعباء انعكس على جودة التعليم والصحة والمواصلات وفرص العمل؟
فالمواطن لا يريد وعوداً مؤجلة، ولا أرقاما لا يراها في حياته اليومية، يريد أن يشعر بأن دخله يكفي احتياجاته الأساسية، وأن جهده لا يضيع أمام موجات الغلاء، وأن الدولة تقف إلى جواره كما تطلب منه الوقوف إلى جوارها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يفقد المواطن ثقته في عدالة توزيع الأعباء، وأن يشعر بأن الإصلاح أصبح اسما آخر لتحميله مزيداً من الفواتير.
فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بحجم ما يحصل من المواطن، بل بمدى ما يحمى به المواطن.
ولا تقاس قوة الحكومة بقدرتها على رفع الأسعار، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين ضرورات الاقتصاد وحق الناس في حياة كريمة.
لقد آن الأوان لمراجعة السؤال من جذوره، هل يدفع الجميع فاتورة الإصلاح وفق قدرته؟
أم أن المواطن البسيط ما زال يدفع النصيب الأكبر، بينما ينتظر أن تأتيه ثمار الإصلاح في موعد لا يعرفه؟
إن المواطن المصري لم يطلب المستحيل ، كل ما يطلبه هو العدالة، والشفافية، وحماية دخله، وأن يشعر بأن التضحيات موزعة على الجميع، لا أن تكون فاتورة كل أزمة جديدة عنوانها الدائم، المواطن البسيط يدفع الثمن.





