حين تتحول السوشيال ميديا إلى سلاح.. كيف تواجه الدولة مخطط هدم المجتمع؟
كتب .. حماده مبارك
لم تعد معركة الحفاظ على تماسك المجتمع قاصرة على مواجهة الجريمة التقليدية أو الشائعات في صورتها القديمة، بل انتقلت إلى فضاء أكثر اتساعاً وخطورة شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لمنشور مجهول أو صورة مجتزأة أو تسجيل مفبرك أن يشعل فتنة، ويدمر سمعة إنسان، ويفكك أسرة، ويزرع الشك والكراهية في نفوس الآلاف خلال دقائق.
والأخطر أن بعض هذه الممارسات لا تبدو عشوائية، وإنما تأتي أحيانًا في صورة حملات متزامنة تستهدف التشهير بالأعراض، وانتهاك الخصوصية، وترويج الأكاذيب، وإثارة الخلافات، وتحويل المشكلات الفردية إلى وقود للفتنة المجتمعية.
وهنا يجب أن ندرك أن حرية التعبير ليست أبدا رخصة لانتهاك أعراض الناس أو هدم حياتهم الخاصة، فالقانون المصري لم يترك هذه الجرائم بلا مواجهة، إذ يجرم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات انتهاك الخصوصية ونشر معلومات أو أخبار أو صور تنتهك خصوصية الأشخاص دون رضاهم، سواء كانت صحيحة أم غير صحيحة.
كما يحظر قانون تنظيم الصحافة والإعلام نشر الأخبار الكاذبة أو المواد التي تحرض على العنف والكراهية أو تتضمن طعناً في أعراض الأفراد أو سبا وقذفا لهم.
الدولة أمام معركة وعي قبل أن تكون معركة قانون.
مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالعقوبات وحدها، رغم أهمية تطبيق القانون بحسم على كل من يتعمد التشهير أو الابتزاز أو نشر الفتن.
المطلوب أيضًا معركة وعي شاملة تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة، وتمتد إلى الإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني، لتعليم المواطنين أن مشاركة المنشور المسيء ليست فعلاً بريئا، وأن إعادة نشر الشائعة قد تجعل صاحبها شريكاً في انتشار الضرر.
فكم من أسرة انهارت بسبب صورة جرى تداولها بلا دليل؟ وكم من إنسان تعرض للظلم لأن أحدهم قرر أن يكون قاضيًا وجلادًا خلف شاشة هاتفه؟ وكم من شائعة تحولت من رسالة على هاتف إلى أزمة حقيقية في الشارع؟
لا تنشر.. لا تساهم في الجريمة.
المواجهة تبدأ من المواطن نفسه.
لا تشارك منشورا مجهول المصدر، لا تنشر صورة تمس خصوصية إنسان، لا تصدق تسجيلاً مجهولاً لمجرد أنه مثير، ولا تجعل حياتك وحياة الآخرين مادة للفرجة والتشهير.
وإذا كان هناك تجاوز أو جريمة، فمكانها الطبيعي هو الجهات المختصة، وليس صفحات التواصل الاجتماعي.
وفي الوقت نفسه، فإن حماية المجتمع لا تعني تقييد النقد أو إسكات الأصوات، فالنقد المسؤول وكشف أوجه القصور حق مشروع، لكن الفارق كبير بين النقد الذي يستهدف الإصلاح والتشهير الذي يستهدف الهدم.
حماية الأسرة.. حماية للدولة
الأسرة هي خط الدفاع الأول عن المجتمع، وعندما تصبح أعراض الناس وخصوصياتهم مادة للتداول والابتزاز والسخرية، فإن الخطر لا يطال فرداً واحداً فقط، وإنما يضرب الثقة داخل المجتمع.
لذلك فإن التصدي للتشهير الإلكتروني يجب أن يسير في ثلاثة مسارات متوازية:
قانون يطبق بحسم، وإعلام مهني يواجه الشائعة بالحقيقة، ومواطن واعٍ يرفض أن يكون أداة في يد مروجي الفتن.
فالقوانين وحدها لا تستطيع حماية مجتمع يشارك أفراده في نشر الأكاذيب، والإعلام وحده لا يستطيع مواجهة ملايين المنشورات، والدولة وحدها لا تستطيع مراقبة كل شاشة.
المسؤولية جماعية.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تنتشر شائعة، وإنما أن نفقد قدرتنا على التمييز بين الحقيقة والكذب، وبين النقد والتشهير، وبين حرية التعبير والفوضى.
إن حماية أعراض الناس وخصوصياتهم ليست ترفا، وإنما حماية لكرامة الإنسان واستقرار الأسرة وسلام المجتمع، وقد أكد قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات حماية هذه القيم في مواجهة إساءة استخدام التكنولوجيا.
فالمجتمع القوي ليس هو الذي يخلو من الخلافات، وإنما هو الذي يعرف كيف يختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى كراهية، وكيف ينتقد دون تشهير، وكيف يستخدم التكنولوجيا للبناء لا للهدم.
ويبقى السؤال الأهم:
هل سنترك هواتفنا تتحول إلى أدوات لهدم بيوت الناس، أم نجعلها وسائل لنشر الوعي والحقيقة وبناء مجتمع أكثر تماسكا؟





