الرقابة البرلمانية .. بين النص الدستوري وحق المواطن
- الدستور ليس كتاباً يوضع على الرفوف، ولا مواده كلمات تقرأ في المناسبات، وإنما هو عقد بين الدولة والمواطن، يضمن الحقوق، ويرسم الواجبات، ويضع آليات واضحة للمساءلة والرقابة ، ومن بين أهم هذه الآليات تأتي الرقابة البرلمانية، التي تمثل خط الدفاع الأول عن حقوق المواطنين، والضمانة الحقيقية لحسن أداء السلطة التنفيذية
- لقد منح الدستور مجلس النواب صلاحيات رقابية واسعة، تبدأ بطلبات الإحاطة والأسئلة البرلمانية، ولا تنتهي عند ال
بقلم .. حماده مبارك
الدستور ليس كتاباً يوضع على الرفوف، ولا مواده كلمات تقرأ في المناسبات، وإنما هو عقد بين الدولة والمواطن، يضمن الحقوق، ويرسم الواجبات، ويضع آليات واضحة للمساءلة والرقابة ، ومن بين أهم هذه الآليات تأتي الرقابة البرلمانية، التي تمثل خط الدفاع الأول عن حقوق المواطنين، والضمانة الحقيقية لحسن أداء السلطة التنفيذية.
لقد منح الدستور مجلس النواب صلاحيات رقابية واسعة، تبدأ بطلبات الإحاطة والأسئلة البرلمانية، ولا تنتهي عند الاستجوابات وتشكيل لجان تقصي الحقائق، وهي أدوات لم تشرع من أجل استعراض سياسي أو تسجيل مواقف إعلامية، وإنما لضمان أن تكون الحكومة خاضعة للمحاسبة، وأن يبقى المواطن حاضراً في كل قرار وسياسة.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل يكفي وجود النص الدستوري وحده؟
الإجابة بكل وضوح: لا.
فالنصوص، مهما بلغت قوتها، تظل حبرا على ورق إذا غابت الإرادة السياسية، وضعف الأداء البرلماني، وانشغل بعض النواب بالخدمات الفردية على حساب دورهم الأصيل في التشريع والرقابة، فالمواطن لا يريد نائباً يلتقط الصور، بل نائباً يفتح الملفات، ويتابع المشروعات، ويحاسب المقصرين، ويطالب بحقوق أبناء دائرته تحت قبة البرلمان.
إن الرقابة البرلمانية الحقيقية ليست صداما مع الحكومة، وليست معارضة من أجل المعارضة، بل هي شراكة في بناء الدولة، فالحكومة القوية تحتاج إلى برلمان قوي، والنجاح الحقيقي لا يتحقق إلا عندما يعمل الطرفان في إطار من الشفافية والمساءلة، بعيدا عن المجاملات أو المصالح الضيقة.
كما أن حق المواطن لا يقتصر على انتخاب ممثليه، بل يمتد إلى متابعة أدائهم ومحاسبتهم سياسيا في نهاية كل دورة انتخابية، فالنيابة تكليف لا تشريف، ومسؤولية لا امتياز، وثقة لا يجوز التفريط فيها.
إن الدولة التي تفعل الرقابة البرلمانية بجدية، تبعث برسالة واضحة مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن المال العام مصون، وأن المسؤول، مهما كان موقعه، خاضع للمساءلة، وهذا هو الطريق الحقيقي لبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وفي النهاية، تبقى الرقابة البرلمانية هي الجسر الذي يربط بين النص الدستوري وحق المواطن، فإذا كانت مواد الدستور قد رسمت الطريق، فإن تطبيقها بإخلاص هو الضمانة الوحيدة لتحقيق العدالة، وصون الحقوق، وترسيخ دولة القانون.
فالأوطان لا تبنى بالشعارات، وإنما تبنى برقابة واعية، ومحاسبة عادلة، وبرلمان يجعل مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.








