د. محمود ريحان..يكتب.مصر والصين بعد زيارة شي جين بينغ: شراكة تصنع الاستقلال أم طريق إلى نفوذ جديد
- لم تكن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة مجرد مشهد بروتوكولي لرئيس دولة كبرى يزور دولة صديقة، ولا مجرد احتفال بمرور سبعين عامًا على العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين
- فقد جاءت الزيارة في لحظة يعاد فيها تشكيل النظام الدولي، بينما تتصاعد المنافسة بين الصين والولايات المتحدة على التكنولوجيا والأسواق والممرات البحرية والنفوذ، ويقف الشرق الأوسط وسط حروب وتحولات وتحالفات متغيرة
- لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: ماذا ستستثمر الصين في مص
لم تكن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة مجرد مشهد بروتوكولي لرئيس دولة كبرى يزور دولة صديقة، ولا مجرد احتفال بمرور سبعين عامًا على العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين. فقد جاءت الزيارة في لحظة يعاد فيها تشكيل النظام الدولي، بينما تتصاعد المنافسة بين الصين والولايات المتحدة على التكنولوجيا والأسواق والممرات البحرية والنفوذ، ويقف الشرق الأوسط وسط حروب وتحولات وتحالفات متغيرة. لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: ماذا ستستثمر الصين في مصر؟ وإنما: ماذا تريد الصين من مصر؟ وماذا تستطيع مصر أن تحصل عليه من الصين دون أن تدفع ثمنًا استراتيجيًا أكبر مما تتوقع؟ – فالدول الكبرى لا تتحرك بدافع الصداقة وحدها، وإنما بدافع المصالح. والحقيقة الأولى التي يجب أن ننطلق منها هي أن مصر مهمة للصين بدرجة أكبر مما قد يتصور البعض. فمصر ليست فقط دولة محورية في الشرق الأوسط أو سوقًا عربية ضخمة، وإنما تقف عند واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، وتمتلك قناة السويس التي تربط آسيا بأوروبا، وهو ما يجعلها بالنسبة للصين نقطة ارتكاز محتملة بين آسيا وإفريقيا وأوروبا. والصين التي تصنع للعالم وتبيع له، وتحتاج إلى طرق آمنة ومستقرة لتدفق منتجاتها وطاقتها وسلاسل إمدادها، تنظر بطبيعة الحال إلى الممرات التي يمر من خلالها هذا العالم. ومن هنا لا يمكن فصل العلاقة المصرية الصينية عن قناة السويس؛ فبكين تريد قناة آمنة ومستقرة، ووجودًا اقتصاديًا وصناعيًا ولوجستيًا في المنطقة الاقتصادية للقناة، وقاعدة تساعدها على الوصول إلى الأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية. لكن هنا يبدأ السؤال المصري الحقيقي: عندما تأتي الصين إلى قناة السويس، ماذا يبقى لمصر بعد أن تحقق الصين مصالحها؟ – هل نريد مصانع صينية تعمل في مصر، أم نريد صناعة مصرية تتعلم من الصين؟ هل نريد عمالًا مصريين يشغلون خطوط إنتاج صينية، أم مهندسين مصريين يمتلكون التكنولوجيا التي تعمل بها تلك الخطوط؟ وهل يكفي أن نضع على المنتج عبارة «صنع في مصر»، بينما تبقى التكنولوجيا والتصميم والملكية الفكرية خارج مصر؟ – هنا تحديدًا يظهر الفرق بين الاستثمار والتنمية. فالاستثمار يمكن أن يأتي ويذهب، أما المعرفة التي تنتقل إلى الإنسان المصري فتبقى. ولذلك لا ينبغي أن نقيس الشراكة المصرية الصينية بحجم الأموال أو عدد المصانع فقط، بل بما تنقله من تكنولوجيا، وما تبنيه من مراكز بحث وتطوير، وما تمنحه للمهندس المصري من معرفة، وما تضيفه إلى نسبة المكونات المصنعة محليًا، وما تتيح لمصر أن تطوره مستقبلًا دون أن تظل مرتبطة بالشركة الأم. فالصين اليوم لم تعد مجرد مصنع للمنتجات الرخيصة؛ بل أصبحت قوة صناعية وتكنولوجية كبرى في السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة والإلكترونيات والاتصالات والذكاء الاصطناعي والفضاء والتصنيع المتقدم. وهذه هي الفرصة الحقيقية أمام مصر: أن تستخدم حاجة الصين إلى موقعها وأسواقها وعلاقاتها للحصول، في المقابل، على ما تحتاجه لبناء قاعدة صناعية وتكنولوجية حقيقية. لكن التكنولوجيا تفتح بابًا أكثر حساسية من المصانع والاستثمارات؛ لأنها عندما تدخل شبكات الاتصالات والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والأقمار الصناعية، فإنها لا تعود قضية اقتصادية فقط، بل تصبح جزءًا من سيادة الدولة. ولهذا يجب ألا ترفض مصر التكنولوجيا الصينية خوفًا من الصين، كما يجب ألا تعتمد عليها بالكامل إعجابًا بها. فالتكنولوجيا ليست صديقًا ولا عدوًا؛ والسؤال هو: من يملك مفاتيحها؟ من يملك البيانات التي تمر من خلالها؟ ومن يستطيع تطويرها أو استبدالها إذا تغيرت العلاقات السياسية؟ – وإذا كانت التكنولوجيا تمثل بابًا حساسًا، فإن الباب العسكري أكثر حساسية. فمصر تقع في منطقة شديدة الاضطراب، بحدود مرتبطة بليبيا والسودان، وشرق يحمل تداعيات القضية الفلسطينية والحرب في غزة وإسرائيل، وبحر أحمر أصبح مسرحًا لصراعات تهدد الملاحة الدولية. وفي مثل هذه البيئة لا تستطيع دولة بحجم مصر أن تعتمد على مصدر واحد للسلاح. لكن السؤال ليس فقط: هل تستطيع مصر شراء السلاح الصيني؟ بل: هل تستطيع الصين أن تقدم لمصر شيئًا لم تحصل عليه من الآخرين؟ – لأن شراء السلاح وحده لا يصنع استقلالًا عسكريًا. يمكن لدولة أن تشتري عشرات الطائرات ومئات المنظومات، ثم تكتشف في لحظة الأزمة أن جزءًا من قوتها لا يعمل دون قطع غيار أو برمجيات أو ذخائر أو دعم فني يأتي من الخارج. ولذلك فإن القوة الحقيقية لا تبدأ عندما نشتري السلاح، وإنما عندما نستطيع الحفاظ عليه وتطويره وإنتاج جزء منه. وهنا تكمن قيمة التعاون المصري الصيني إذا تطور إلى مستوى أعمق من مجرد التوريد، ليشمل التصنيع المشترك، والتجميع الحقيقي، وتصنيع المكونات، والتدريب، ونقل المعرفة، وبناء قدرات مصرية في الصيانة والتطوير.

فمصر لا تحتاج إلى استبدال مورد أمريكي بمورد صيني ثم تسمي ذلك استقلالًا. التبعية لا يتغير معناها عندما تنتقل من واشنطن إلى بكين. أما إذا استطاعت مصر استخدام التعاون مع الصين لبناء قدراتها الذاتية، فهنا تتغير المعادلة. والفرق كبير بين أن تشتري منظومة سلاح وأن تشارك في تصنيعها، وبين أن تستخدم طائرة وأن تمتلك القدرة على صيانتها وتطويرها، وبين أن تستورد الذخائر وأن تنتجها، وبين أن تعتمد على برامج الآخرين وأن يمتلك مهندسون مصريون القدرة على تطوير أنظمة خاصة بهم. ومن هنا نصل إلى ساحات الحرب التي قد تحدد شكل الجيوش في المستقبل: الحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي العسكري، والاستطلاع، والأقمار الصناعية، والرادارات، ودمج المعلومات، والشبكات العسكرية. فالجيوش الحديثة لم تعد تقاتل فقط بمن يمتلك السلاح الأكبر، بل بمن يرى أكثر، ويعرف أسرع، ويحلل المعلومات بصورة أفضل، ويحمي شبكاته ويستطيع تعطيل شبكات خصمه. والصين تمتلك قدرات متقدمة في هذه المجالات، ولذلك فإن وصول التعاون المصري الصيني إلى مستويات متقدمة فيها لن يكون مجرد إضافة سلاح جديد إلى الترسانة المصرية، بل تطورًا قد يؤثر في حسابات القوى الكبرى في المنطقة. وفي مقدمتها الولايات المتحدة. فواشنطن قد لا ترى في مصنع سيارات صيني جديد في مصر تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا، وقد لا تعتبر زيادة التجارة بين القاهرة وبكين مشكلة في حد ذاتها. لكن الصورة تصبح مختلفة عندما تدخل التكنولوجيا الصينية إلى المجالات الحساسة أو العسكرية. عندها لن يكون السؤال الأمريكي فقط: هل اشترت مصر سلاحًا صينيًا؟ بل: إلى أي مدى أصبحت التكنولوجيا الصينية جزءًا من البيئة الاستراتيجية المصرية؟ – وهنا يجب ألا نبالغ في تفسير التعاون العسكري المصري الصيني باعتباره تحالفًا جديدًا، كما لا ينبغي اعتباره حدثًا عابرًا بلا دلالة. فالتدريبات العسكرية لا تعني تحالفًا، لكن العلاقات العسكرية يمكن أن تتطور تدريجيًا من التدريب إلى تبادل الخبرات، ثم التعاون الصناعي، ثم مستويات أعلى من الثقة والتنسيق. ومن هنا يظهر السؤال الأهم في العلاقة كلها: هل تستطيع مصر استخدام الصين كأداة لتوسيع هامش استقلالها الاستراتيجي، دون أن تتحول الصين نفسها إلى البديل الذي تريد مصر التحرر منه؟ – الإجابة يجب أن تكون في القاهرة، لا في بكين ولا واشنطن. فالصين ستفعل ما يخدم مصالح الصين، وأمريكا ما يخدم مصالح أمريكا، وأوروبا ما يخدم مصالح أوروبا. أما مصر فعليها أن تعرف ما الذي يخدم مصالحها هي. إذا أدت الاستثمارات الصينية إلى مصانع مصرية حقيقية، فهي مكسب. وإذا نقلت التكنولوجيا، فهي مكسب أكبر. وإذا فتحت أسواقًا جديدة للصادرات المصرية، وبنت كوادر هندسية وبحثية، فهي استثمار في المستقبل. وإذا أدى التعاون العسكري إلى زيادة قدرة مصر على التصنيع والصيانة والتطوير، فهو مكسب استراتيجي. أما إذا أصبحت الصين أكبر ممول لا يمكن الاستغناء عنه، وأكبر مورد للتكنولوجيا لا يمكن استبداله، وأكبر مصدر للسلاح لا يمكن العمل بدونه، وصاحبة الحضور الأكبر في القطاعات الاستراتيجية، فهنا يجب أن يبدأ القلق. لأن النفوذ الحقيقي لا يبدأ عندما تملك دولة أرضك؛ يبدأ عندما تصبح تكلفة الاستغناء عنها أكبر من قدرتك على اتخاذ قرار مستقل. وهذا هو الاختبار الحقيقي للعلاقة المصرية الصينية في السنوات القادمة. إن العالم لم يعد أحادي القطبية كما كان، والصين تصعد، والولايات المتحدة تحاول الحفاظ على تفوقها، والدول المتوسطة مثل مصر تمتلك مساحة أكبر للمناورة بين القوى الكبرى. لكن المناورة تحتاج إلى عقل بارد: لا ننبهر بالصين، ولا نخاف من أمريكا، ولا نرهن أنفسنا لأحد. نأخذ من الجميع ما يخدمنا، ونحتفظ لأنفسنا بالقرار. فمصر لا تحتاج إلى أن تصبح أمريكية أكثر، ولا إلى أن تصبح صينية أكثر. مصر تحتاج إلى أن تصبح مصر أقوى. وهذا هو المعنى الأهم الذي يجب أن نبحث عنه خلف زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة. فربما لم تكن أهم ما في الزيارة الاتفاقات التي وقعت، ولا عدد الاستثمارات التي ستأتي، وإنما السؤال الذي تركته خلفها: هل نحن مستعدون فعلًا لاستغلال التنافس بين الكبار لصناعة قوة مصر؟ – فالقوى الكبرى لا تمنح النفوذ بالمجان، ولا تحترم الدول لأنها صديقة لها أو حليفة لها، وإنما تحترم الدول التي تعرف ماذا تريد، وتملك من القوة ما يجعل الآخرين يفكرون مرتين قبل محاولة فرض إرادتهم عليها. وهذا، في النهاية، هو الطريق الذي يجب أن تذهب إليه مصر.

