زيارة وفد مؤسسة رسالة السلام إلى الأردن
- دراسة تحليلية ترصد دلالات التعاون الفكري والديني في ضوء الفكر التنويري
- في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المنطقة العربية، وعلى رأسها تصاعد خطابات التطرف والانقسام الديني، تبرز المبادرات الفكرية والثقافية الهادفة إلى ترسيخ قيم التعايش الإنساني والحوار بين أتباع الرسالات السماوية باعتبارها ضرورة حضارية وإنسانية
- وفي هذا الإطار، جاءت زيارة وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية إلى المملكة الأردنية الهاشمية لتقدم نموذجًا عمليًا
المفكر علي محمد الشرفاء
دراسة تحليلية ترصد دلالات التعاون الفكري والديني في ضوء الفكر التنويري
في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المنطقة العربية، وعلى رأسها تصاعد خطابات التطرف والانقسام الديني، تبرز المبادرات الفكرية والثقافية الهادفة إلى ترسيخ قيم التعايش الإنساني والحوار بين أتباع الرسالات السماوية باعتبارها ضرورة حضارية وإنسانية. وفي هذا الإطار، جاءت زيارة وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية إلى المملكة الأردنية الهاشمية لتقدم نموذجًا عمليًا لفلسفة “السلام الإنساني” القائمة على الحوار والتفاهم وبناء الشراكات الفكرية والتربوية.
وتعد مؤسسة رسالة السلام العالمية، التي تستند إلى الرؤى التنويرية للمفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، واحدة من أبرز المؤسسات الفكرية التي تسعى إلى إعادة قراءة الخطاب الديني في ضوء القيم القرآنية الداعية إلى الرحمة والمحبة والعدل والسلام، عبر مبادرات ثقافية وتعليمية وحوارية ممتدة.
الأردن.. نموذج عربي للحوار الحضاري
اختيار الأردن ليكون محطة لهذا النشاط الفكري والديني لم يكن أمرًا عابرًا، فالمملكة الأردنية الهاشمية تمثل نموذجًا عربيًا متميزًا في إدارة التنوع الديني والثقافي، حيث نجحت لعقود طويلة في تقديم صورة مستقرة للتعايش بين المسلمين والمسيحيين.
وتحمل هذه الزيارة دلالات فكرية وحضارية مهمة، أبرزها وجود بيئة اجتماعية وثقافية مؤهلة لاستقبال مشاريع الحوار الديني، إلى جانب حضور مؤسسات تعليمية وكنسية تؤمن بقيمة الانفتاح الفكري، فضلًا عن الدور التاريخي الذي لعبه الأردن باعتباره حلقة وصل حضارية بين الشرق والغرب.
ومن ثم، فإن الزيارة وما تضمنته من لقاءات وشراكات لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد نشاط بروتوكولي، بل تأتي ضمن مشروع أوسع لبناء شبكات عربية للحوار والتفاهم الإنساني.
مذكرة تعاون مع المدارس الأرثوذكسية
ومن أبرز محطات الزيارة توقيع مذكرة تعاون بين مؤسسة رسالة السلام والمدارس الأرثوذكسية، في خطوة تعكس التحول المتزايد نحو دمج القيم الإنسانية والتربوية في العملية التعليمية.
وتستهدف المذكرة تعزيز ثقافة التسامح واحترام التنوع الديني، والعمل على تحصين الأجيال الجديدة ضد خطابات الكراهية والتعصب، إضافة إلى إدماج الفكر التنويري داخل البيئات التعليمية، وفتح آفاق جديدة للحوار بين الشباب من مختلف الخلفيات الدينية والثقافية.
كما تمثل خطوة إدخال مؤلفات المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي إلى المكتبات المدرسية نقلة مهمة في آليات نشر الفكر التنويري، إذ تنتقل هذه المؤلفات من دائرة النخب الفكرية إلى المجال التربوي المباشر المؤثر في تشكيل وعي الطلاب.
وترتكز هذه المؤلفات على عدة مبادئ فكرية، في مقدمتها تقديم الإسلام باعتباره رسالة رحمة وعدل، والتأكيد على وحدة القيم الإنسانية بين الأديان السماوية، إلى جانب تفكيك الصور النمطية الناتجة عن القراءات المتشددة للنصوص الدينية، والدعوة إلى الاحتكام للقرآن الكريم باعتباره مرجعًا يدعو إلى المحبة والسلام والأخوة الإنسانية.
قراءة تحليلية لكتاب “القرآن يشهد بصحة العقيدة المسيحية”
وشهدت الزيارة اهتمامًا بكتاب “القرآن يشهد بصحة العقيدة المسيحية”، الذي يعد من أبرز الطروحات الفكرية الجريئة في مجال الحوار الإسلامي المسيحي، حيث ينطلق من فكرة البحث عن المشتركات الإنسانية والإيمانية، بدلًا من منطق الجدل العقائدي التقليدي.
ويطرح الكتاب رؤية تقوم على الانتقال من ثقافة “إثبات خطأ الآخر” إلى ثقافة الحوار والاحترام المتبادل، مع تقديم النصوص القرآنية باعتبارها أرضية للتقارب لا للصدام.
كما يؤكد الكتاب على فكرة التعارف الإنساني بوصفها قيمة قرآنية وحضارية، تقوم على أن التنوع الإنساني إرادة إلهية ووسيلة لبناء المجتمعات المتماسكة، مع محاولة تجاوز إرث سوء الفهم التاريخي الذي ساهم في توتير العلاقات بين أتباع الأديان عبر قراءات متشددة وتأويلات عدائية.
الكنيسة شريك في صناعة السلام
وفي سياق تعزيز الحوار الديني المباشر، قام وفد المؤسسة بزيارة إلى كنيسة العذراء الناصرية، حيث جرى لقاء مع عدد من القيادات الكنسية، في مقدمتهم الأب الدكتور حنا كلداني.
وعكست الزيارة قناعة متبادلة بأهمية التعاون بين المؤسسات الدينية المعتدلة لمواجهة التطرف وخطابات الكراهية، إلى جانب التأكيد على أهمية الدور الروحي للمسجد والكنيسة في ترسيخ قيم الرحمة والسلام والتسامح.
كما أبرز اللقاء الحاجة إلى إنتاج خطاب ديني إنساني جامع، قادر على بناء جسور التفاهم بين الشعوب والأديان، بعيدًا عن الصراعات والانقسامات.
“السلام العملي”.. رؤية تتجاوز الشعارات
وتقدم مؤسسة رسالة السلام العالمية نموذجًا يمكن وصفه بـ”السلام العملي”، وهو مفهوم يقوم على تحويل قيم السلام من مجرد شعارات نظرية إلى مبادرات ميدانية ملموسة.
ويتجسد هذا النموذج من خلال بناء شراكات عابرة للهويات الدينية والقارات، والتعاون مع المدارس والجامعات والكنائس والمراكز الثقافية، بما يعزز مفهوم المواطنة الإنسانية المشتركة.
كما تركز المؤسسة على الاستثمار في الوعي الثقافي والفكري، من خلال الكتاب والحوار والتثقيف، باعتبارها أدوات طويلة المدى لمواجهة التطرف، مع توجيه جانب كبير من أنشطتها نحو الشباب والأجيال الجديدة بوصفهم الأكثر قدرة على صناعة مستقبل قائم على التعايش والسلام.
أبعاد حضارية ورسائل إنسانية
وتحمل المبادرة التي شهدها الأردن أبعادًا حضارية تتجاوز الإطار المحلي، إذ تقدم نموذجًا عربيًا إيجابيًا للعلاقات الإسلامية المسيحية، وتعيد التأكيد على دور الدين في بناء الإنسان وترسيخ قيم الرحمة والتعارف.
كما تأتي هذه الخطوات في وقت يشهد فيه العالم تصاعدًا في خطابات الكراهية والتوترات الدينية والسياسية، ما يمنح مثل هذه المبادرات أهمية مضاعفة باعتبارها أدوات ضرورية لحماية الاستقرار الإنساني وتعزيز ثقافة السلام.
قراءة في النتائج
تكشف التجربة التي قادتها مؤسسة رسالة السلام العالمية في الأردن عن إمكانية بناء مساحات حقيقية للتعايش إذا توفرت الإرادة الفكرية والإنسانية الصادقة.
فالتعاون بين مؤسسة إسلامية ومدارس أرثوذكسية، والحوار داخل الكنيسة حول قيم الرحمة والعدل والسلام، لا يمثل مجرد مشاهد رمزية، بل يعكس قدرة المنطقة العربية على إنتاج نماذج مضيئة في التفاهم الإنساني.
كما تؤكد التجربة أن السلام الحقيقي لا يبدأ فقط من الاتفاقيات السياسية، بل من إعادة تشكيل وعي الإنسان، وغرس قيم الرحمة والتعارف داخل التعليم والثقافة والخطاب الديني.
ومن هنا، يمكن اعتبار ما جرى في الأردن خطوة ضمن مشروع حضاري أوسع يسعى إلى استعادة المعنى الإنساني للأديان، وترسيخ فكرة أن الاختلاف ينبغي أن يكون مدخلًا للتعارف والتكامل، لا سببًا للصراع والانقسام.







