عندما يصبح الترند هو العقل
- يبدو أننا في هذا الآونة دخلنا عصراً جديداً لا يحتاج فيه الإنسان إلى موهبة ولا ثقافة ولا إنجاز ، كل ما يحتاجه فقط هو موبايل مفتوح، وكاميرا شغالة، وشوية لخبطة على الماشي ، والباقي تتكفل به خوارزميات الترند
- أصبح "الترند" عند البعض أهم من الحقيقة، وأغلى من الخصوصية، وأحياناً أقوى من العقل نفسه ، المهم أن يظهر الاسم، وتتحرك المشاهدات، وتنهال التعليقات، حتى لو كانت الشهرة جاءت من موقف تافه أو فضيحة أو تصرف لا يليق
بقلم .. حماده مبارك
يبدو أننا في هذا الآونة دخلنا عصراً جديداً لا يحتاج فيه الإنسان إلى موهبة ولا ثقافة ولا إنجاز ، كل ما يحتاجه فقط هو موبايل مفتوح، وكاميرا شغالة، وشوية لخبطة على الماشي ، والباقي تتكفل به خوارزميات الترند.
أصبح “الترند” عند البعض أهم من الحقيقة، وأغلى من الخصوصية، وأحياناً أقوى من العقل نفسه ، المهم أن يظهر الاسم، وتتحرك المشاهدات، وتنهال التعليقات، حتى لو كانت الشهرة جاءت من موقف تافه أو فضيحة أو تصرف لا يليق.
واحد يصور نفسه في موقف لا يستحق التصوير، وآخر يفتعل أزمة، وثالث يكشف تفاصيل حياته الخاصة أمام ملايين الغرباء، ورابع يحول مصيبة إنسان إلى مادة للضحك والمشاركة .
والمشكلة الكبرى أن الترند أصبح عند البعض مقياساً للقيمة ، فإذا تصدر شخص المشهد صار فجأة ” نجماً “، وإذا حصل فيديو على ملايين المشاهدات أصبح صاحبه مؤثراً، حتى لو كان المحتوى نفسه لا يستحق أكثر من ضغطة “تخطي”.
والأغرب من صانع التفاهة هو الجمهور الذي يمنحها الأكسجين، نحن الذين نصنع بعض الترندات، ثم نشكو منها ، نضحك على المحتوى، ثم نشاركه، ونعلق عليه، ونعيد نشره، ثم نتساءل في النهاية ، “هو ليه الناس بقت كده؟”
لأننا ببساطة جعلنا من التافه مشهوراً ، ومن المشهور قدوة، ومن الفضائح محتوى، ومن الخصوصية سلعة، ومن عدد المشاهدات شهادة نجاح.
وهنا لا بد أن نقولها بوضوح، ليس كل ترند يستحق أن نركض خلفه، وليس كل مشهور يستحق أن نعرفه، وليس كل مشاهدات دليلاً على النجاح.
فالشهرة السريعة مثل الألعاب النارية ، صوتها عال ، تلمع للحظات، ثم تختفي.
أما القيمة الحقيقية فلا تحتاج إلى صراخ ولا إلى فضائح ولا إلى ملايين المشاهدات.
نحن في حاجة إلى إعادة تعريف كلمة “مؤثر” ، فالمؤثر الحقيقي ليس من يستطيع أن يجعل الناس تضغط “يايك”، وإنما من يستطيع أن يجعل الناس تفكر.
ولعل أخطر ما في هوس الترند أنه سرق من البعض أهم شيء ، القدرة على التمييز بين ما يستحق أن يقال وما يجب أن يبقى صامتاً.
أصبحنا في هذا الايام نصور قبل أن نفكر، ننشر قبل أن نتأكد، نحكم قبل أن نفهم، ونشارك قبل أن نسأل ، ماذا يمكن أن يفعل هذا المنشور في حياة إنسان آخر؟
وملخص ذلك بأن الترند ليس مشكلة ، المشكلة عندما يصبح الترند هو العقل، فإذا كان ثمن الشهرة أن تفقد احترامك لنفسك، فلتذهب الشهرة إلى الجحيم.
وإذا كان الوصول إلى ملايين المشاهدات يحتاج إلى أن تتحول إلى مادة للسخرية، فالأفضل أن تبقى مجهولاً ومحترما.
فليس كل من تصدر الترند أصبح نجماً ، أحياناً يكون فقط دليلاً حيا على أن الناس يمكن أن تتفق على مشاهدة أي شيء.
وفي النهاية اغلق أو اغلقي الكاميرا دقيقة، واتركا الموبايل لحظة، واسألوا انفسكم ، احنا عايزين تبقوا مشهورين، ولا عايز نبقوا محترمين؟
لأن الترند يرفعكم ساعة، ولكن العقل هو الذي يحفظ لكم قيمتكم مدى الحياة.






