هل فقدنا القدوة الحسنة؟.. حين يتراجع الوعي ويتصدر الجهل المشهد
- في زمنٍ تتسارع فيه التكنولوجيا، وتتعدد فيه وسائل المعرفة، وتصبح المعلومة في متناول الجميع بضغطة زر، يظل سؤال مؤلم يفرض نفسه بقوة: هل فقد مجتمعنا القدوة الحسنة؟
- وهل أصبح الجهل يتصدر المشهد على حساب العلم والأخلاق والوعي؟
- لم يعد الأمر مجرد شكوى عابرة من تغير سلوكيات بعض أفراد المجتمع، بل أصبح ظاهرة تستحق التوقف أمامها، خاصة عندما نجد أن بعض من يتصدرون المشهد الاجتماعي أو الإعلامي أو حتى مواقع التواصل، يملكون آلاف
بقلم .. حماده مبارك
في زمنٍ تتسارع فيه التكنولوجيا، وتتعدد فيه وسائل المعرفة، وتصبح المعلومة في متناول الجميع بضغطة زر، يظل سؤال مؤلم يفرض نفسه بقوة: هل فقد مجتمعنا القدوة الحسنة؟
وهل أصبح الجهل يتصدر المشهد على حساب العلم والأخلاق والوعي؟
لم يعد الأمر مجرد شكوى عابرة من تغير سلوكيات بعض أفراد المجتمع، بل أصبح ظاهرة تستحق التوقف أمامها، خاصة عندما نجد أن بعض من يتصدرون المشهد الاجتماعي أو الإعلامي أو حتى مواقع التواصل، يملكون آلاف المتابعين، بينما لا يملكون بالضرورة ما يؤهلهم ليكونوا قدوة أو نموذجًا يحتذى به.
عندما يصبح الصوت الأعلى هو الأكثر تأثيراً
في الماضي، كان للمعلم، والطبيب، ورجل الدين، والمثقف، وكبار السن، وأصحاب الخبرات، مكانة كبيرة في تشكيل وعي الأجيال. كانت القدوة تُبنى على العلم والخبرة وحسن الخلق والسلوك.
أما اليوم، فقد تغيرت المعايير لدى البعض، فأصبح عدد المتابعين معياراً للشهرة، وأصبح الجدل طريقا للانتشار، وأصبح البعض يتعامل مع “الترند” وكأنه شهادة بالنجاح أو دليل على الأهمية.
وهنا تكمن الخطورة.
فليس كل مشهور عالماً، وليس كل من يمتلك منصة يمتلك رسالة، وليس كل من يجيد الحديث أمام الكاميرا جديراً بأن يكون قدوة لأبنائنا.
الجهل ليس فقط ألا نعرف، الجهل الحقيقي لا يعني فقط عدم امتلاك المعلومات، وإنما قد يكون الأخطر هو رفض المعرفة والإصرار على الخطأ رغم وضوح الحقيقة.
أن يتحدث الإنسان في كل شيء دون علم، وأن يصدر أحكاماً على الآخرين دون معرفة، وأن يرفض النصيحة لمجرد أنها تخالف رأيه، وأن يعتبر الاعتراف بالخطأ ضعفا ، كل ذلك أشكال من الجهل.
والأخطر من جهل الفرد أن يتحول الجهل إلى ثقافة، وأن يصبح صاحب المعلومة الخاطئة أكثر انتشاراً من صاحب المعلومة الصحيحة.
أين اختفت القدوة؟
القدوة لا تختفي فجأة، وإنما تتراجع عندما نتوقف عن تقدير أصحاب العلم والأخلاق، وعندما نمنح الاهتمام لمن يثير الجدل أكثر ممن يقدم المعرفة.
القدوة الحقيقية ليست شخصاً معصوماً من الخطأ، وإنما إنسان نرى فيه الصدق والانضباط والاحترام وتحمل المسؤولية، ويستطيع أن يقول “أخطأت” عندما يخطئ، وأن يتراجع عن موقفه عندما يكتشف أن الحقيقة في جانب آخر.
وقد تكون القدوة في معلم يؤدي رسالته بإخلاص، أو أب يكافح من أجل أسرته، أو أم تربي أبناءها على القيم، أو طبيب يضع ضميره قبل مصلحته، أو عامل يؤدي عمله بأمانة، أو شاب يرفض الطريق السهل ويختار النجاح بالعلم والاجتهاد.
مواقع التواصل.. سلاح ذو حدين
لا يمكن تحميل وسائل التواصل الاجتماعي وحدها مسؤولية ما يحدث، فهي مجرد أداة، يمكن استخدامها في نشر العلم والثقافة، كما يمكن استخدامها في نشر الشائعات والجهل والتنمر والإساءة.
المشكلة تبدأ عندما نترك أبناءنا يتلقون أفكارهم وقيمهم من شاشات الهواتف دون توجيه أو رقابة فكرية، وعندما يصبح “المؤثر” البديل عن المعلم، ويصبح “الترند” بديلاً عن الحقيقة.
وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية في استعادة دورها في بناء الوعي.
لا نحتاج إلى قدوة مثالية.. بل قدوة حقيقية
ربما لا نستطيع أن نصنع مجتمعاً بلا أخطاء، ولا يمكن أن نطلب من كل شخص أن يكون مثالياً، لكن يمكننا أن نعيد الاعتبار إلى العلم والأخلاق والعمل والصدق باعتبارها معايير حقيقية للنجاح.
علينا أن نعلم أبناءنا أن الشهرة ليست قيمة في حد ذاتها، وأن المال ليس المعيار الوحيد للنجاح، وأن كثرة المتابعين لا تعني بالضرورة كثرة الوعي.
فالمجتمع الذي يحترم العالم أكثر من مدعي العلم، ويقدر صاحب الخلق أكثر من صاحب الضجيج، ويمنح المجتهد مكانته الحقيقية، هو مجتمع قادر على صناعة مستقبل أفضل.
وأخيراً، نحن لم نفقد القدوة تماماً، ولكننا ربما فقدنا القدرة على رؤيتها وسط ضجيج المشهد.
ما زال في مجتمعنا علماء ومخلصون ومعلمون وأطباء ومهندسون وعمال وآباء وأمهات وشباب يحملون قيمًا عظيمة، لكنهم لا يبحثون عن الأضواء.
المطلوب ليس أن نبحث عن “مشهور” نعلقه قدوة على أبنائنا، وإنما أن نعيد تعريف القدوة من جديد.
فإذا كان الجهل يعلو صوته اليوم، فإن مواجهته لا تكون بالصراخ، وإنما بالعلم والوعي والتربية والقدوة الحسنة، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يجهل بعض أفراده، وإنما أن يفقد احترامه للعلم، ويستهين بالأخلاق، ويمنح الجهل منصة أكبر من المعرفة،
وحينها لا تكون المشكلة في أن الجهل أصبح سائداً فقط، بل في أننا سمحنا له أن يصبح قدوة.






